فضيلة سيدنا الشيخ أبو يوسف أمين طريف

شارك المقالة:
Share on facebook
Share on whatsapp
Share on twitter
Share on email

مراسيم الجنازة

بقلوبٍ محزونةٍ شجيّة، وعلى إشراقة شمسٍ سطعت في سماء يوم الاثنين الموافق 4/10/1993، تدفّقت منذ ساعات الصّباح الباكر وفود مؤلّفة قدمت إلى جولس لتشارك مراسم التّشييع. على الشّوارع آلاف السّيّارات الّتي أقلّت الوافدين، تمرّ بينها قوّات من الجيش والشّرطة الّتي تقوم بترتيب مساحات واسعةٍ قرب قرية الجديّدة لمئات السّيارات الّتي تنتظر الدّخول. عشرات سيارات نقل عموميّة وحافلات، تجوب الطّرق ذهابًا وإيابًا نقلًا للمشيّعين الّذين غصّت بهم قرية الجديّدة في الجنوب ومفترق الكابري في الشّمال، منطلقين إلى المنطقة الصّناعيّة في جولس، الّتي نُصبت خيامًا تجمّع النّاس تحتها في انتظار موكب الجنازة. مشهدٌ يقشعرّ له الأبدان، لجموع أقبلت من كلّ حدبٍ وصوب إلى نفس المكان، لتكرّم رحيل هذا الملاك على هيئة إنسان.

وقد برز من بين الوفود الّتي قدمت للمشاركة وتقديم التّعزية، وفد ضمّ رئيس الحكومة الرّاحل السّيّد إسحاق رابين، وزير الشّرطة السّيّد موشه شاحل، وزير العدل السّيّد ليبائي، وزير المواصلات السّيّد كيسار، وزير السّياحة السّيّد جاد يعقوبي، رئيس الكنيست السّيّد شيفح فايس، رئيس محكمة العدل العليا القاضي شمغار، المطران سلوم، الشّيخ القاضي توفيق عسليّة، القاضي مدلج، رئيس الأركان العامّة، قائد الشّرطة، رئيس حزب التّكتّل (ليكود) السّيّد بنيامين نتنياهو، السّفير المصريّ في دولة إسرائيل السّيّد محمّد البسيوني، ولفيفٌ من رجال الدّين الكبار من مختلف الطّوائف في إسرائيل.

من ضمن الوفود الّتي شاركت من خارج الدّولة، برز وفد المشايخ من دروز لبنان، الّذين قدموا من الشّوف، المتن وخلوات البيّاضة الزّاهرة في حاصبيا. أمّا الوفد السّوريّ الّذي انتظره الكثيرون بتشوّق، فقد تعذّر عليه الحضور، رغم إعلان الحكومة الإسرائيليّة عن تقديمها لكافّة التّسهيلات من أجل دخول الوفد، وإعلان الدّولة السّوريّة عن موافقتها بخروج الوفد من أراضيها إلى جولس.

اقتربت ساعة التّشييع والأعداد لا تزالُ تزيد وتزيد, الذي قدر عددهم بحوالي مائة وخمسين ألف مشيع. على الطّريق المؤدي إلى جولس، أهالي الجديّدة يتوسّطون الطّريق بأيادٍ ممدودةٍ بالماء البارد لتخفيف الحرّ عن المسافرين، في الجوّ حلّقت طائرات مروحيّة، وعلى الأرض امتدّت طواقم من كلّ الدّوائر الرّسميّة، إلى جانب قوّات الشّرطة وسيّارات الإسعاف، الّتي عالجت عشراتٍ من حالات الإغماء عقب التأثّر الّذي انتاب الكثيرين من هول الموقف.

في تمام السّاعة الحادية عشرة من صباح يوم الإثنين الموافق 4/10/1993، وفوق أكتاف العشرات من أصحاب العمائم وأصوات صلواتهم، انطلقت الجنازة من ساحة دار الشّيخ الجليل، متقدّمةً ببطء نحو المنطقة الصّناعيّة الّتي عجّت بأكثر من مائة وخمسين ألف مشيّع كانوا في الانتظار.

تصلُ الجنازة إلى السّاحة المعدّة للصّلاة في المنطقة الصّناعيّة، فيقف الآلاف إجلالًا لهذا الموكب المهيب. بعد وضع الجنازة في ساحة التّشييع، تقدّم ابن أخ المرحوم، الشّيخ كامل سلمان طريف المرحوم، داعيًا صاحبَ الصّوت الشّجيّ الشّيخ سلمان ماهر ابن الشّوف اللّبناني ليصلّي صلاة الوداع. آلافُ العيون دمعت خشوعًا عند هذا الموقف الجلل، بعد أن أيقن النّاس أنّها المرّة الأخيرة الّتي ستجمعهم مع سيّدنا الشّيخ، هاتفين بقلوبٍ مفعمة بالإيمان محزونة: "الله يرحمه".

تولّى عرافة المراسم عضو الكنيست السّيّد صالح طريف، الّذي رثى الشّيخ معدّدًا خصاله وخلاله، وداعيًا إلى مواصلة المسيرة وفق منهج عمّه الجليل الّذي أوصى بالمحافظة على الألفة والوحدة والوفاق والمحبّة، بعد أن كان ركنًا للتآلف وجسرًا للسّلام. 

وقد تلاه في الخطابة رجالاتٌ وأصحاب مناصب كُثر، أحزنهم الموقف وخانتهم العبارة في وصف ما حملوه في قلوبهم من تقديرٍ لهذا الرّاحل، ومن حزنٍ على هذا الرّحيل. وقد رُتّبت كلمات الوداع على النّحو التّالي:

  • كلمة رئيس الدّولة السّيّد عيزر فايتسمان.
  • كلمة رئيس الوزراء السّيّد إسحاق رابين.
  • كلمة رئيس الكنيست البروفيسور شيفح فايس.
  • كلمة رئيس محكمة العدل العليا القاضي مئير شمغار.
  • كلمة وزير الشّرطة والاتّصال السّيّد موشيه شاحل.
  • كلمة السّفير المصريّ في دولة إسرائيل السّيّد محمّد البسيوني.
  • كلمة فضيلة الشّيخ القاضي توفيق عسليّة.
  • كلمة سيادة المطران مكسيموس سلّوم.

بعد الاستماع إلى هذه الكلمات، اعتلى عريف المراسم المنبر معتذرًا عن متابعة الكلمات راحةً لوفود المشيّعين، ليتقدّم بعدها الشّيخ كامل طريف ويشكر الجماهير الغفيرة باسم عائلة طريف.

هذا، وبعد مغادرة موكب رئيس الحكومة مع الوزراء المرافقين، تمّت دعوة الحضور للاقتراب من الجنازة استعدادًا لمتابعة موكب الجنازة ودفنها في بيت الشّيخ المرحوم، ليتقدّم قبلها رئيس مجلس دالية الكرمل المحلّي المرحوم الشّيخ أبو عزّام نوّاف حلبي، ملقيًا خطابًا قصيرًا وطالبًا من الجميع احترام وصيّة سيّدنا الشّيخ، وخلع عباءته على كتفي حفيده الشّيخ موفق طريف، ليكون الرّئيس الرّوحيّ من بعده، عملًا بما ورد في وصيّة سيادته، وهكذا كان.

وأخيرًا، حُمل النّعش الزّجاجيّ على أكتاف المشايخ، وانطلق الموكب مجدّدًا إلى منزل سيّدنا الشّيخ، هناك حيث دُفن في الغرفة الغربيّة، الّتي أصبحت من تلك السّاعة مزارًا ومحجًّا لرجال الدّين وأبناء الطّائفة، يستذكرون من خلالها تاريخ هذا العلم المفرد والدّاعي الأوحد، الّذي رحل جسدًا وبقي حيًّا ذكرًا وإرثًا.